الخميس 3 أبريل 2025 – بقلم: وليد محمود
في مشهد غير مسبوق منذ عقود، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 2 أبريل 2025، ما يمكن وصفه بـ”زلزال اقتصادي”، متمثلًا في فرض تعريفات جمركية شاملة على صادرات أغلب دول العالم إلى الولايات المتحدة، بنسب تراوحت ما بين 10% و46%، في خطوة رأى فيها مراقبون تصعيدًا استراتيجيًا يتجاوز الاقتصاد ليصبح أداة صريحة للضغط السياسي.
لأول مرة: العرب في مرمى واحد
المثير للدهشة – والمخاوف – أن الدول العربية، رغم تباين علاقاتها السياسية والاقتصادية مع واشنطن، وُضعت تحت بند واحد في القرار الجديد، وكأنها “تكتل معادٍ”. فقد فُرضت رسوم جمركية موحدة بنسبة 10% على مصر، السعودية، الإمارات، المغرب، السودان، عمان، ولبنان، بينما تم تصعيد النسبة على الأردن (20%)، تونس (28%)، الجزائر (30%)، ليبيا (31%)، العراق (39%)، وسوريا (41%).
ورغم أن بعض الدول غير العربية مثل الصين (34%) والهند (26%) تعرضت أيضًا لتصعيد في الرسوم، فإن المعاملة التفضيلية لكندا والمكسيك – بإعفائهما الكامل من الرسوم – كشفت أن “المعايير الاقتصادية” ليست وحدها التي تحكم هذا القرار.
الرسوم الجمركية: سلاح سياسي أم حماية اقتصادية؟
البيت الأبيض برّر القرار بأنه جزء من استراتيجية “إعادة الصناعات الأمريكية”، في ظل ما وصفه ترامب بـ”التبعية الخطيرة للاقتصادات المعادية”. إلا أن توقيت الإعلان، المتزامن مع تصعيد ميداني في غزة، ووسط توتر العلاقات الأمريكية – الصينية، أثار تساؤلات عما إذا كانت هذه الرسوم مجرد وسيلة ضغط على الخصوم، خصوصًا في الشرق الأوسط.
ويقول البروفيسور جوناثان شتاين، الخبير في الجغرافيا السياسية بجامعة ييل، إن “القرار يحمل بصمات سياسة العصا والجزرة… إنه اختبار مزدوج لرد فعل الصين من جهة، ولإجبار الدول العربية على الاصطفاف السياسي مع واشنطن من جهة أخرى”.
مصر… تحت سقف 10% لكن الرسالة واضحة
بالنسبة لمصر، فرضت واشنطن الحد الأدنى من الرسوم (10%)، وهو ما فسره خبراء بكونها ليست ضمن الدول التي تملك فائضًا تجاريًا كبيرًا مع أمريكا. فمصر صدّرت إلى الولايات المتحدة في 2024 ما يقرب من 2.5 مليار دولار، مقابل واردات تخطت 6.1 مليار دولار، أي أن الميزان التجاري يصب في صالح واشنطن بأكثر من 3.5 مليار دولار.
ومع ذلك، يشير الخبير الاقتصادي مدحت نافع إلى أن الرسالة “واضحة”، قائلًا: “10% قد تكون بداية لهدنة مؤقتة، لكنها أيضًا ورقة ضغط قابلة للتصعيد في أي لحظة إذا اتخذت مصر مواقف تتعارض مع التوجه الأمريكي في ملفات حساسة كالصراع الفلسطيني أو العلاقات مع الصين”.
ارتدادات عالمية… وهشاشة النظام التجاري
القرار الأمريكي لم يمر دون أثر، إذ تراجعت مؤشرات الأسواق المالية فورًا:
داو جونز خسر أكثر من 800 نقطة
ستاندرد آند بورز 500 تراجع 3.7%
ناسداك هبط 4.6%
خام برنت انخفض بنسبة 3%
الذهب قفز إلى أعلى مستوى في تاريخه مسجلًا 3148 دولارًا للأونصة
يقول أحمد عزام، كبير محللي الأسواق في مجموعة “Equity Global”، إن “القرار لم يضرب فقط الصادرات، بل زلزل سلاسل التوريد العالمية… مما يجعل الحديث عن دخول العالم في موجة ركود مسألة وقت لا أكثر”.
التاريخ يعيد نفسه… بنتائج معكوسة؟
تجربة تعريفات 2018 ما زالت حاضرة في الذاكرة. حينها، أكدت دراسات من جامعة هارفارد ومعهد بيترسون أن التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب آنذاك كلّفت الاقتصاد الأمريكي 57 مليار دولار وخسارة 300 ألف وظيفة في قطاع التصنيع. بل إن 93% من الشركات المتضررة لم تُعد الإنتاج إلى أمريكا بل نقلته إلى دول أخرى مثل فيتنام والمكسيك.
فهل يعيد التاريخ نفسه مع فاصل أشد وقعًا؟
من حماية الأسواق إلى تمهيد لتسوية كبرى؟
تزامن القرار مع العملية البرية في غزة دفع محللين للربط بين “الضغط الاقتصادي والتسوية السياسية”، معتبرين أن التعريفات الجمركية جزء من مشهد أوسع لتحجيم القوى الإقليمية غير المتماشية مع المشروع الأمريكي في المنطقة، خاصة في ظل الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب في الشرق الأوسط.
ويرى البعض أن ما يجري قد لا يكون سوى تمهيد لتغيرات أوسع في المشهد الجيوسياسي، قد تصل إلى إعادة ضبط قواعد النظام العالمي نفسه، وربما حتى تسوية ديون أمريكا الداخلية تحت غطاء “أزمة كبرى” – كما حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
قد يبدو القرار في ظاهره اقتصاديًا، لكنه في جوهره إعادة تعريف للعلاقات الدولية بأدوات جديدة. التعريفة الجمركية لم تعد فقط وسيلة لحماية الصناعة، بل أصبحت سلاحًا في يد القوى الكبرى تُشهره حين تريد الضغط، وتعفي به حين ترغب في استمالة.
وفي عالم هش اقتصاديًا وسياسيًا، تبقى الجمارك ساحة مواجهة مفتوحة… وسلاحًا يصيب الجميع، بدءًا من المصنع وحتى المواطن العادي، سواء في ديترويت أو دار السلام .